علي السوداني... السخرية كأرقى أشكال الرثاء: «مكاتيب» ابن شوارع على شهقتين من الخمسين

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
03/09/2009 06:00 AM
GMT



قبل أيام، وقّع الكاتب العراقيّ المقيم في عمّان، علي السوداني، المجلّد الثاني من كتابه «مكاتيب عراقيّة: من سفر الضحك والوجع» في «دار الأندى» في عمان. مَن يعرف علي جيداً، يكاد يجزم بأنّه أقام الاحتفال الحقيقيّ في حانة قديمة من حانات وسط البلد. وفي الطريق، سيصف الدرج الذي نزل منه إلى البلد، وسيتحسّر على ملابس نسائيّة على حبل غسيل، ويستذكر كيف صرخ به شرطيّ قرب منزله في «عمّون» ـــــ كما يسمّي عمّان ـــــ «تعال يا بن لادن» قبل أن يسجن ويصدر القرار بتسفيره لأنّه كان سكران.
لا مكان للرثاء المبتذل في كتابة علي السوداني (1961). هنا تسود السخرية في شكلها الأشد سواداً «يعجبني وطن جميل حرّ قويّ جبّار مسالم عادل مثقّف متحضّر رحيم آمن ملوَّن كريم طيّب نقيّ نبيل، في شارعه حانة، وعلى مبعدة منه دار عبادة (...) والعاقل يختار، وطيّح الله حظ المفسدين في أرضه الواسعة».
يكتب السوداني عموداً صحافيّاً ساخراً منذ سنوات، ويأخذ عليه منتقدوه أنّه صار نموذجاً للكتابة «الكاريكاتوريّة الاستهلاكيّة»، بعدما بدأ «بداية ناضجة». لكن علي يرفض لقب الكاتب السّاخر: «أنا ابن شوارع أخيّم على بعد شهقتين من الخمسين... قضيت أكثر من نصف هذه المدة في الشوارع». هكذا، يستحضر طفولته في حي الثورة البائس في بغداد، حيث كان يساعد والده في بيع المكسرات والسجائر، ثم اتُّهم بأنه نشر قصة قصيرة «آخر أخبار الولد الجميل» ضدّ النظام فهرب إلى عمّان. لم تكن القصّة إلا حكاية الولد أسعد الذي يعتبر نفسه «ملك صناعة الحلم»... فيحلم بأنه إذا احتاج نقوداً، بأن يكون رئيس جمهوريّة يمتلك ماكينة تفريخ دنانير.
هنا قد تكون الكتابة الساخرة البديل الوحيد عن الموت، أو هي فعلاً تنكيل بالذات «الدعابة السوداء فنٌّ صعب، فإما أن يقع بك في منطقة ضحلة أو يرتفع بك إلى نص صعب... أتخيّل نفسي مهرّجاً أتاه خبر وفاة أمه قبل وصلته، لكنّه مطلوب منه إضحاك الناس». وهذا ما حصل فعلاً بعد سماعه خبر وفاة شقيقه في بغداد. فقد عتب عليه الأهل لأنه كتب «أنا حزين. أحزن من يعقوب. مثل محمد جاسم مظلوم. أشبه مظفر النواب. مو حزن لكن حزين. واحد اسمه جواد. جواد أخي وابن أمي. جواد عنده ولد. الولد اسمه عادل. أخي جواد وسيم وطيب وشيوعي. ويناديه الناس بأبي عادل. ليش مو أبو عادل. أبو من الأسماء الخمسة. الأسماء الخمسة ترفع وتنصب بتبديل أواخر الحرف (...)».

حكايا عن رجال منهكين ونساء جميلات على طراز نيكول كيدمان... مع حضور قويّ للموتى
ينتمي السوداني إلى ما يمكن تسميته «جيل الشتات العراقي في الأردن». هذا النادي الذي وجد له بدايةً مكاناً اعتبر من إحدى أهم تجارب المقاهي الثقافية العربيّة. إنّه «مقهى الفينيق» الذي ارتبط بالشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان أحد رواده. عدنان الصائغ، علي عبد الأمير، أديب كامل، صلاح حسن، ناصر مؤنس هاجروا من عمّان، ليبقى فيها علي بدر، عبد الستار ناصر، هدية حسين، رافع الناصري، مي مظفّر وغيرهم. لقد جاءنا هؤلاء ـــــ وبينهم علي السوداني ـــــ بثقافة المقاهي والالتصاق بالشارع وحكاياته.
أصدر السوداني إلى الآن خمس مجموعات قصصيّة «المدفن المائي» (1993)، «الرجل النازل» (1996)، «بوككو وموككو» (1997)، «ما تيسّر له» مع القاص السعودي حسن دعبل (2000)، «خمسون حانة وحانة» (2003). مستعيداً فيها مشروعاً أدبياً عربياً لم يعد له وجود هو «أدب المجالس» وخصوصاً في إنجازه الأكثر ثراءً «ألف ليلة وليلة». وقد جمع في «مكاتيب عراقيّة: من سفر الضحك والوجع» (دار فضاءات)، المقالات التي نشرها في جريدتي «الزمان» العراقية و«الرأي» الأردنية بين 2007 و2008. لماذا «مكاتيب»؟ لأنها التسمية الأدبيّة للعمود الصحافيّ. تبدأ معظم النصوص بعبارة محذوفة «بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد». وبلغة ميّتة، يستعيد السوداني إرثاً يغلب عليه الاعتناء باللغة، فمن يقول اليوم «أروم اليوم الولوج في باب الحديث عن الأمسيات والأصبوحات والظهيرات (..)»؟. أو يلعب لعبة «الجواهري شاعر فحل من بلاد ما بين النهرين. النهران هما دجلة والفرات. الفرات ينبع من تركيا. تركيا دولة جميلة. جميلة عمايرة قاصّة بديعة. بديعة أخت بديع. بديع الزمان الهمذاني سارد مقامات حلوة (..)».
أما المواضيع فمن الشوارع، قاع المدن، المقاهي والحانات «الحانات هي الكنز الأول العظيم الذي يشغل بالي، أحياناً أمنع نفسي من أن أسكر لأراقب كائناً جميلاً وأشعل بمخيلتي علاقة له مع النادل». أما الكنز الثاني فهو القرآن... «أتجلّى عندما أسمع عبد الباسط عبد الصمد».
حكايا عن رجال منهكين أو موتى، نساء جميلات على طراز نيكول كيدمان وحضور قويّ ومنهِك للموتى: الجواهري، البيّاتي، زياد قاسم، محمّد طمّليه، محمود درويش، سركون بولص. وأحياناً يستعيد السوداني أصدقاءه على صفحتين كاملتين، صديقاً تلو صديق، من دون فواصل أو داعٍ.
لا يبدو ما يكتبه السوداني معنيّاً بالآخر: القارئ ستُتعبه اللغة المنمّقة بحثاً عن الحكاية. ولن يبدأ، بالتأكيد، حقبةً أدبيّة أخرى على غرار المقامات. إنّه يكتب للتسلية، وهكذا نستقبل الكتاب.